أبي منصور الماتريدي

545

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

إنباء أنهم لم يكذبوا رسولهم بشبهة اعترضت لهم ، أو بحجة كانت لهم ، بل كذبوه « 1 » عن عناد منهم ، وتيقن منهم برسالته ، وذلك أن حجة نبيهم صالح - عليه السلام - جاوزت الحجج ؛ لأنهم أوتوا الناقة على سؤال سبق منهم ، وعلى تعد منهم في السؤال ؛ إذ كان لهم أن يطالبوه بالحجة على دعوى الرسالة ، ولم يكن لهم أن ينصوا السؤال على شيء يشيرون إليه ، فهم بإشارتهم إلى سؤال الناقة كانوا معتدين فيه . ثم من حكمة الله - تعالى - أن الحجة إذا كانت على أثر السؤال ، ثم ظهر التكذيب من السائلين هو الاستئصال في الدنيا ، وقد وجد من أولئك القوم السؤال والتكذيب ؛ فعوقبوا بالاستئصال ، قال الله - تعالى - : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [ الإسراء : 59 ] ؛ فيبين الله - تعالى - المعنى الذي [ لأجله ] لم يرسل الآيات التي سألت الكفرة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو أنهم لو أوتوا ، ثم عندوا ، استؤصلوا ؛ فقد أراد الله - تعالى - إبقاء أمته إلى أن تقوم الساعة ، وأرسله رحمة للعالمين ، وجعل حجته من وجه فيها رحمة للعالمين ، وهي القتال ، ووجه الرحمة فيه : أنهم كانوا يمتنعون عن اتباعه ؛ لحب الدنيا وشهواتها ؛ فكان يمنعهم ذلك عن النظر في حججه وآيات رسالته ؛ فكان في الجهاد ما يضيق عليهم المعاش ، ويضطرهم إلى النظر في الحجج ؛ فيحملهم ذلك على تصديقه والإيمان به ؛ فثبت أن في القتال رحمة عليهم . وقوله - عزّ وجل - : إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها . أي : قام أشقاها ، وصار أشقاها بما أحدث من الكفر بعقر الناقة . وروي عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أنه قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لعلي - رضي الله عنه - : « ألا أخبرك بأشقى الناس ، رجلين ؟ » قال : بلى ، يا رسول الله . فقال : « أحيمر ثمود ، عاقر الناقة ، والذي يضرب على هذه - وأشار إلى هامته - حتى يبتل منها هذه ، وأشار إلى لحيته » « 2 » فصار عاقر الناقة أشقى الناس بما ذكرنا . وجائز أن يكون قاتل علي ، صار أشقى الناس ؛ لأنه استحل قتله . وقوله - عزّ وجل - : فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها : فهو يحتمل وجهين :

--> ( 1 ) في أ : يكذبوه . ( 2 ) أخرجه ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبغوي ، وأبو نعيم في الدلائل كما في الدر المنثور ( 6 / 602 ) .